الرواية النسائية المغربية: من خناتة بنونة إلى ليلى أبو زيد

حين تُكتب قصة الرواية النسائية في المغرب، لا يمكن تجاوز اسمين أسّسا لمرحلتين مختلفتين تماماً من هذه الكتابة: خناتة بنونة، التي فتحت الباب لأول مرة، وليلى أبو زيد، التي نقلت هذا الصوت إلى قارئ عالمي لم يكن يعرفه من قبل.
خناتة بنونة: كسر الصمت أولاً
وُلدت خناتة بنونة سنة 1940 بفاس، واشتغلت بالتدريس قبل أن تصبح مديرة للتعليم الثانوي بالدار البيضاء سنة 1968. لكن إنجازها الأهم كان أدبياً بامتياز: فقد أصدرت سنة 1967 مجموعتها القصصية “ليسقط الصمت“، وهي أول مجموعة قصصية “نسائية” في تاريخ المغرب. ثم جاءت روايتها “النار والاختيار“ سنة 1969 لتُعتبر — بإجماع كبير — أول رواية مغربية تكتبها امرأة على الإطلاق، ونالت عنها الجائزة الأدبية الأولى في المغرب، بأقلام الرجال أو النساء معاً، قبل أن تُدرَّس لسنوات في ثانويات المملكة.
ما يميّز تجربة بنونة أنها لم تفصل بين الكتابة الأدبية والالتزام الوطني والقومي: فقد أهدت عائدات روايتها لمنظمة التحرير الفلسطينية، وربطت باستمرار بين الفعل الإبداعي والفعل النضالي، حتى إن علال الفاسي نفسه أثنى على “قوة وإيمان” كتاباتها بعبارات نادراً ما وُجّهت لكاتبة عربية في ذلك الوقت. لغتها، كما يصفها الناقد أحمد اليبوري، كانت مكتوبة بمعجم مُنتقى بعناية فائقة، أقرب أحياناً إلى قصيدة النثر منها إلى السرد المباشر — وكأن المرأة التي تكتب لأول مرة في هذا المجال اختارت أن تفعل ذلك بلغة رفيعة لا تقبل المساومة.
ليلى أبو زيد: من الصوت الجماعي إلى الصوت الداخلي
بعد جيل بنونة بسنوات قليلة، ظهرت ليلى أبو زيد (وُلدت 1950 بالقصيبة، الأطلس المتوسط)، بمسار مختلف نوعياً: درست الأدب الإنجليزي بجامعة محمد الخامس، ثم بجامعة تكساس بأوستن، واشتغلت صحافية تلفزيونية قبل أن تنتقل للعمل الإداري، من بينه ديوان الوزير الأول.
عملها الأشهر، “عام الفيل“، صدر بالرباط سنة 1983، ليأخذ منحى مختلفاً تماماً عمّا سبقه: الرواية لا تنشغل بالخطاب الجماعي أو الوطني المباشر، بل تدخل إلى الداخل النفسي لامرأة بعد طلاق مدمِّر، تتساءل ببساطة صادمة: “هل فقدت هويتي؟”. من خلال هذه الشخصية، تطرح الرواية سؤال الهوية المغربية نفسها في مرحلة ما بعد الاستقلال — لكن هذه المرة من زاوية امرأة فردية منكسرة، لا من زاوية الأمة الظافرة.
الفارق الأهم كان في المدى الذي وصلت إليه الرواية: تُرجمت إلى الإنجليزية سنة 1989 (عن جامعتي تكساس والجامعة الأمريكية بالقاهرة)، ثم إلى الألمانية لاحقاً، لتصبح من أوائل الأعمال الروائية لكاتبة مغربية تصل مباشرة إلى قارئ أنجلوفوني وعالمي واسع، لا عبر وساطة فرنسية كما جرت العادة في الأدب المغربي المكتوب أصلاً بالفرنسية.
من الصوت الجماعي إلى تعدد الأصوات
بين بنونة وأبو زيد، يظهر خط تطوّر واضح: من كتابة نسائية أولى تثبت وجودها عبر الالتحام بالقضايا الوطنية والقومية الكبرى (بنونة)، إلى كتابة تجرؤ على الغوص في الهزيمة الفردية والشك الداخلي دون أن تُغلّفه بخطاب جماعي (أبو زيد). هذا المسار لم يتوقف عند هاتين الكاتبتين، بل واصلته أجيال لاحقة من الكاتبات المغربيات، بأصوات أكثر تنوعاً في الموضوع والشكل واللغة — لتؤكد أن ما بدأته خناتة بنونة سنة 1967 لم يكن حادثة عابرة، بل بداية تقليد أدبي نسائي مغربي متجذّر ومستمر حتى اليوم.